موقف من الميتافيزيقا زكي محمود

تحليل الفلسفة

1

القول الذي يُطلقه القائل بخبرٍ ما إما أن يكون صوابًا أو خطأً، لا ثالث لهما. جاء المحدثون ليضيفوا وصفًا ثالثًا، وهو أن يكون هذا القول كلامًا فارغًا غير ذي قيمة. هذا الكلام الفارغ –من وجهة نظر الكاتب– هو كلام لا يجب أن يُناقش أو يُرد عليه؛ لكونه غير ذي معنى.

مثال يطرحه الكاتب: القول إن "العدد 2 هو عدد زوجي" كلام صحيح، والقول "العدد 2 فردي" خطأ، لكن القول "العدد 2 أبيض" هو كلام فارغ. في هذا المثال وغيره، يستخدم الكاتب اللغةَ والمعرفةَ التجريبيةَ الحسيةَ لتحليل الكلام وإطارته ضمن التصنيفات الثلاثة المذكورة.

يُكمِل الكاتب كلامه بأن النقاش في موضوعات كـلون العدد أو شكل البشر المضلع هو كلام لا يستحق النقاش؛ لأنه لا يعكس معنى، أو على حد تعبيره "لا يرسم صورة يمكن مقارنتها بأصل". وعليه، فاستنتاجه أن الميتافيزيقا تقع في إطار الكلام الفارغ الذي لا يحمل معنى، ولا يجوز فيها البحث أو الاختلاف في الرأي.

2

يُسهب الكاتب في إعادة فكرة أن الميتافيزيقيين حَورُوا معنى الكلام المفهوم (ذو المعنى المتفق عليه بين الناس وأصبح عُرفًا)، وتلاعبوا باللغة، وأنتجوا رموزًا للتفكير والتأمل، ومشكلات تنتظر الحل والجواب، لكنها –من وجهة نظره– لا تحمل معنى. ويجب علينا –حسب رأيه– أن نُبيِّن خلو هذه الأقوال من المعنى، وهذا كل ما نستطيع فعله.بهذا المنهج التحليلي، يؤكد الكاتب أن الميتافيزيقا تخرج عن نطاق الفلسفة الواضحة، التي يجب أن تقتصر –حسب رؤيته– على تحليل العبارات القابلة للتحقق تجريبيًّا أو المنطقيًّا. فإذا كانت الفلسفة الحقيقية هي "فعل تحليلي" يفحص العلاقة بين اللغة والواقع، فإن الميتافيزيقيين –في محاولاتهم الإجابة عن أسئلة كـ"ماهية الوجود" أو "طبيعة الروح"– ينسجون خطابًا يفتقر إلى المرجعية الحسية، ويُحوِّلون الفلسفة إلى لغزٍ لغويٍّ لا حلَّ له. وهنا يلتقي الكاتب مع تيارات فلسفية مثل الوضعية المنطقية التي رفضت الميتافيزيقا جذريًّا، معتبرةً أن العبارات التي لا تخضع لمبدأ "القابلية للتحقق" هي مجرد ضجيجٍ فارغ. لكن هذا الموقف المتشدد يطرح إشكاليةً جوهرية: أليس في إقصاء الميتافيزيقا إغلاقٌ لأبواب التأمل في ما يتجاوز المادي؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تتعامل مع الأسئلة الوجودية التي لا تُختزل إلى بيانات حسية؟ رغم ذلك، يظل الكاتب متمسكًا بحجته: أن مهمة الفلسفة ليست تقديم إجابات، بل تنقية اللغة من الادعاءات الزائفة، حتى لا نضيع في متاهات الكلام الذي لا يرسم إلا سرابًا.

Posted Jan 26, 2025, 1:20 PM UTC

30
Loading comments…