اقتباس من حياة صديق
استيقظ فريد علي صوت قطارات الماء التي كانت تتسرب من السقف وقد سبق أن وعده صاحب السكن مرار أنه سيصلح ذلك الأنبوب مرار ولكن مع ذلك كان يتجاهله حتي أنه اخر مرة أخبره بأنه لا يملك مايكفي من المال لأعمال الصيانة وأنه سيكون عليه إصلاحه بنفسه بالطبع كان هو الآخر لا يمتلك أي مال لإصلاح الأنبوب فقرر اللجوء إلى أسلوب بديل فكان يضع طبق إلا أنه سرعان ماكان يمتلئ ولا يهم أي كان حجم الطبق الذي يضعه فكان التسريب يزداد خاصة في أيام الشتاء الشئ الذي دفعه لإزالة السجاد من الأرضية فأصبحت غرفته خالية من أي شئ ماعدا طاولة وكرسي صغير ولوحة زيتية باهتة الألوان لم تكن تفصح عن أي معني وراء ذلك المزيج من الألوان ولم تكن تلك اللوحة تعود إليه بل تعود إلي شاب كان يسكن قبله فقرر تركها و في الزاوية نجد سرير معدني قديم قام مؤخرا بنقله من مكانه القديم تحت النافذة بسبب البرودة التي كان يشعر بها خاصة في الليل فقام من علي فراشه يتفقد الفراغ من حوله وكعادته كل صباح سار ناحية النافذة ليري أحذية السائرين تملئ الشارع فقال : الساعة السابعة أو ربما الثامنة في العادة ماتكون الشوارع مزدحمة في الثامنة ولكن اليوم بداية الأسبوع يجب أن اسرع فلست في مزاج جيد للاستماع الي توبيخات نبيل التي دائما ما تنتهي بالقاء اللوم علي واتهامي بالكسل فارتدي ملابسه وسار للخارج وبمجرد ما أن خرج من الباب رآه صاحب السكن فابتسم له وقال صباح الخير يا سيد فريد كيف حالك اليوم ؟ فقال بخير كم الساعة الأن ؟ فقال الساعة السابعة والربع فقال السابعة والربع لقد تاخرت كثيرا علي أن ارحل الان ربما الحق بالقطار فقال انتظر ياسيد فريد اريد أن اتحدث معك بشأن الايجار المتأخر فقال فريد الا يمكننا تاجيل التحدث في ذلك الموضع لوقت اخر فإنا متأخر عن العمل . فقال أنا آسف يافريد ولكن أن لم تدفع فلتاخذ أغراضك وابحث عن مسكن اخر . فقال امنحني فقط مزيد من الوقت مجرد ماان احصل علي المال سأعطيك الإيجار فقال هناك مستأجر جديد سيدفع ضعف ما تدفعه وأنا لم اعد اجد ما أقوله لذلك الرجل فقال فريد هل قمت بعرض غرفتي للإيجار دون اخباري أن ماازال اسكن هنا فقال بنبرة غاضبة وانا املك ذلك المسكن هل ستعلمني كيف ادير ممتلاكاتي ايها الوقح لقد امهلتك الكثير من الوقت ولكن إن لم أحصل علي المال نهاية ذلك الأسبوع فلن اقوم بطردك بل ساخبر الشرطة وبذلك تكون قد ضمنت لنفسك سكن جديد فأنا لا ارضي أن تنام في الشارع في مثل تلك الأجواء الباردة . فتركه فريد غير مباليا بتهديده بل في الواقع كان يضحك فقال في نفسه من الأحمق الذي يرغب بالعيش في ذلك الجحر حتي أن الفئران تخاف مجرد الإقتراب من الباب وسيدفع الضعف أيضا ياله من أحمق يريد أن يدفع كل ذلك المال مقابل حجرة بالكاد تكفي لجسد بشري لو احضر لي المال كنت سأترك له المنزل فورا دون أي تردد ذلك الحقير الذي لا يعرف للرحمة معني من اين سأحضر له المال أن راتبي بالكاد يكفي الطعام والشراب ولولا ذلك المعطف البالي الذي حصلت عليه من أحد اصدقائي لتجمد الدم في عروقي من البرد ربما لو طلبت من السيد نبيل أن يقرضني بعض المال لا ذلك مستحيل حتي التفكير في ذلك الأمر يبدو سخيف افضل حل الأن هو أن اسرع حتي لا أتأخر أكثر من ذلك . وبالفعل في غضون دقائق كان قد وصل إلي المحطة وكان القطار لم يتحرك بعد كان من المفترض أن يتحرك في السابعة ولكن الساعة الأن تقترب من الثامنة إلا ربع وسط سخط الكثير من المواطنين ارتسمت علي وجهه ابتسامة وهو يقول لقد تعطلت القطارات مجددا ذلك جيدا. فأمال رجل عجوز يرتدي معطف من الفرو ويضع وشاح من الصوف حول عنقه فقال متسائلا ومالك تبدو سعيدا بما حدث ؟ فقال لا يا سيدي أن لم اقل ذلك فقال لا لقد سمعتك تقول إن ذلك شئ جيد انا فقط اريد ان اعرف ما الجيد في الأمر ما المنافعة التي ستعود علي جميع هؤلاء سوي العطلة وتأخر مصالح المواطنين . فقال نعم علي الاقل يتوقفون قليلا للتفكير في حياتهم فما الذي سيحدث لو لم تذهب للعمل اليوم فقال العجوز ماالذي سيحدث ستتعطل مصالح الناس ستتوقف الدولة سيموت الناس من الجوع لو فكروا مثلك انت وأمثالك السبب وراء تخلفنا على ايامي كان الجميع يعملون بكد . فلم يبالي فريد بالرد علي العجوز وانما جلس علي كرسي معدني منتظرا قدوم القطار وهو يتخيل شكل رئيسه في العمل حتي جاء القطار ولم يكد يتوقف حتي كانت الأفواج تتدافع للدخول وهو بينهم لم يكن عليه التحرك وانما الجموع كانت تدفعه للداخل ، حتي تمكن من الدخول و اسرع بالجلوس بجوار النافذة حتي راي شخص يسقط والغريب في الأمر أن الناس مستمرين في التدافع نحو الباب دون أي اعتبار لأن هناك انسان يتألم تحت أقدامهم ، حتي جاء مفتش المحطة فصرخ فيهم حتي يتنحوا جانب و بالرغم من ذلك كانت هناك صعوبة في سحب جسد ذلك المسكين وكان الرجل فاقد للوعي يالها من حياة عبثية ، وكان قد اعتاد رؤية تلك المشاهد علي مدار اليوم حتي اعتاد علي المعاناة للدرجة التي جعلته عاجزا عن التعاطف مع أي شئ ، واخيرا تحرك القطار وسط الضباب الذي مايزال سائدا رغم أن الساعة تجاوزت الثامنة والقطار يخترق تلك الطبقة الرقيقة من الثلج وسط الضوضاء السائدة من حوله وانزعاج الكثيرين حول تأخرهم واخيرا توقف القطار فنزل فريد وهو يقول محدثا نفسه لدي قائمة طويلة من الزبائن والطلبات التي علي إيصاله اليوم وأنا متأخرا وبالتأكيد لن يقبل السيد نبيل بأي اعذار وفي النهاية أي تأخير مني سيقول بأقتطاعه من راتبي كأن ذلك أخر ما أريده أن يكون لدي وظيفة ولكنها بالكاد تعينني علي الحياة انا اعمل لكي أكل ولو كان لدي وقت كافي لحاولت العثور علي عمل أخر و بذلك يمكنني دفع الإيجار أو العثور علي سكن أخر ولكن كيف الطريق لذلك وأنا بالكاد أجد مايكفي من الوقت للنوم اقضي يومي في السفر والتنقل من مدينة إلي أخري مقابل ماذا لا ادري كيف انتهي بي الحال هنا ولكني واثق أنني أفضل حال من غيري ، رغم البرودة التي تتخلل جسدي والجوع الذي ينهش احشائي وجيبي الفارغ من أي مال . وبينما هو يضع يده في جيب معطفه الداخلي وجد سيجارة كان قد أعطاه له أحد زملائه كان قد احتفظ بها لوقت لاحق ولكنه نسيها حتي تلك اللحظة وكم كان سعيدا لوجود تلك السيجارة معه فا وضعها بين شفتيه وأخذ يبحث عن علبة الكبريت في جيوب معطفه وقميصه ، حتي تذكر أنه قد تركها بجوار الموقد فأعاد السيجارة الي معطفه وقال ساخرا : يبدو انني لا امتلك رفاهية امتلاك شيئين في الوقت ذاته . ثم تابع طريقه حتي وصل إلي الشركة ومجرد ما أن دخل من الباب سمع صوت يصرخ فقال ياله من صباح أن يستيقظ الإنسان ليسمع صراخ ذلك الرجل كأن الاستيقاظ في مثل ذلك الطقس لا يكفي ومجرد ما أن دخل الي مكتب المشرف وكان المسئول عن العمال رجل يدعي مراد في مثل عمر فريد تقريبا وكان دائما يتباهي بأنه قد أصبح مشرفا رغم حداثة سنه بالطبع بسبب اجتهاده في العمل وتفوقه علي زملائه الذين تم فصلهم من العمل الواحد وراء الآخر لأسباب مجهولة أو يعتبرها الجميع مجهولة بينما يعلم كل واحد الحقيقة ويخفيها في قرارة نفسه ومجرد ما أن دخل فريد مكتب مراد وجده جالسا الي مكتب خشبي ، أمامه دفتر كبير يدون فيه الحضور والغياب و ما أن رأي فريد أمامه خلع نظارته وقال : إذا ياسيد فريد متأخر مجددا تري ماعذرك اليوم ؟ وقبل ان ينطق فريد بكلمة اسرع مراد فقال : تعرف انني حذرتك كثيرا من التأخير كان يفترض أن تكون هنا في الخامسة انظر الي الساعة . ثم اثار الي الساعة من خلفه وقال أخبرني كم الساعة الأن فقال بنبرة يسودها اليأس الساعة التاسعة فقال مراد : وهو يطالع ساعة يده الساعة الأن التاسعة و عشر دقائق ياسيد بالطبع انسان مهمل مثلك لا يهتم بالساعات فكيف به أن يلقي بال لتلك الدقائق. فقال في محاولة بائسة منه انا اسف ولكن قد تأخر موعد القطار اقسم انني بقيت في المحطة أكثر من ساعة فقال عليك أن تخرج مبكرا إذا فوجود القطار من عدمه ليست مشكلتي . فقال كيف من المفترض أن أصل هنا في الموعد المحدد أن كانت مواعيد القطارات غير ثابتة . فقال تلك ليست قضيتي حتي لو ستطير يجب أن تكون هنا في السابعة تفضل اذهب إلي عملك . وقبل أن يسير خلال الباب عاد مراد فقال : تعرف أن السيد كريم لن يتساهل معك تلك المرة فلم يبالي أي اهتمام به وانما اكتفيت بهز رأيه وتابع طريقه نحو الأسفل وهو يقول في نفسه ومنذ متي و ذلك الحقير يتساهل مع أحد وكيف يفترض أن أصل الي هنا في تمام السابعة في ذلك الطقس البارد انا لا افهم هل تتطور حياة الإنسان مع الحداثة ام أنها تنحدر مع التقدم الصناعي في الماضي كنا نختبئي من برد الشتاء الأن علينا أن نعمل في تلك البيئة القاسية الخالية من اي دفئ وانا هنا لا أتحدث عن الشتاء بل عن ضمير الإنسان الذي ذهب في سبات عميق ولم يفق من نومه حتي وقتنا الحالي واظن أن فلسفة العصر الحديث ليست صعبة من حيث الفهم والتطبيق فهي ببساطة فلسفة الألة تلك المكينة التي تخلو من اي روح أو تفكير ولا تعرف التوقف أو تشعر بالألم .
Posted Aug 7, 2025, 4:45 PM UTC