يوم دراسي بتوزر يناقش تقنيات الكتابة في الأدب الموجّه إلى الطفل بقلم: المبروك نفخه

​

احتضن المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بتوزر، يوم الأربعاء 11 فيفري 2026 على الساعة الثانية بعد الزوال، يوماً دراسياً بعنوان “تقنيات الكتابة في الأدب الموجّه إلى الطفل”، وذلك بالتعاون مع جمعية “خذ الكتاب بقوة”، وبمشاركة ثلة من الأساتذة والباحثين المختصين في اللسانيات والسرد وأدب الطفل، إلى جانب حضور لافت لطلبة السنة أولى تربية وتعليم.

وجاء هذا اللقاء العلمي في سياق الاهتمام المتزايد بأدب الطفل باعتباره رافداً أساسياً في بناء الوعي وتنمية الذائقة الجمالية وترسيخ القيم التربوية لدى الناشئة، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي ألقت بظلالها على عالم الطفولة والقراءة.

اللغة ووعي الطفل: مسؤولية الكلمة الأولى

استُهلّت أشغال اليوم الدراسي بمداخلة للدكتور جمادي الدريدي، المتخصص في اللسانيات واللغة، بعنوان “خصائص اللغة والأسلوب في أدب الطفل”. وقد ركّز في مداخلته على العلاقة العضوية بين اللغة ووعي الطفل، مؤكداً أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي مؤسس جوهري لتشكّل الوعي وبناء التصورات الأولى عن العالم.

وبيّن الدكتور الدريدي أن كل قراءة جديدة تترسخ في ذهن الطفل وتساهم في تشكيل مادته اللغوية، مشدداً على أن بدايات تشكل الرصيد اللغوي لدى المتعلمين تتكرّس عبر المطالعات وقراءة القصص. ومن هنا، تبرز ضرورة انتقاء اللغة بدقة، لتكون متناسبة مع مراحل النمو اللغوي والمعرفي للطفل، بعيدة عن التعقيد المفرط أو التبسيط المُخلّ.

كما عرّج المتدخل على علاقة اللغة بالهوية، معتبراً أن الكتابة للطفل مسؤولية ثقافية كبرى، إذ من خلالها يتشكل وعيه الثقافي وانتماؤه الحضاري، وهو ما يستوجب وعياً عميقاً بطبيعة الرسالة التي يحملها النص الأدبي الموجّه إلى الناشئة.

شهادة روائية: الكتابة للطفل بين الرسالة والمخاطر

أما المداخلة الثانية، فكانت شهادة روائية للأستاذ والكاتب نور الدين بن بوبكر، أحد أبرز المختصين في تونس في كتابة أدب الطفل، حملت عنوان “شهادة روائية حول كتابة أدب الطفل”. وقد قدّم من خلالها خلاصة تجربته في هذا الحقل الإبداعي الدقيق.

واعتبر بن بوبكر أن الكتابة للطفل محفوفة بالتحديات، لأن المتلقي هو طفل في طور التشكّل، سريع التأثر، واسع الخيال، ما يحمّل الأديب مسؤولية مضاعفة. وأكد أن رسالة الكاتب الموجّهة إلى اليافعين ينبغي أن تكون تربوية بالأساس، تسهم في ترسيخ القيم الفضلى التي تسعى المدرسة بدورها إلى تثبيتها، خاصة في ظل ما وصفه بـ“الانفلات التكنولوجي” الذي يهدد عالم الطفولة ويزاحم الكتاب في تشكيل الوجدان.

وأشار إلى ضرورة أن يجد الطفل في الأدب الموجّه إليه ما يساعده على بناء شخصيته، واكتساب مناعة فكرية وجمالية تخدم ذائقته ونموه العقلي السليم. كما تناول خصائص الكتابة للأطفال، من حيث العناية بالسرد والوصف والحوار، ودقة اختيار المواضيع التي يمكن أن تفيد الطفل وتساهم في تربيته تربية متوازنة وسليمة.

البطل النموذجي في الرومانس: من الفروسية إلى أدب الطفل

واختُتمت المداخلات العلمية بمحاضرة للدكتور علي السياري، المتخصص في الدراسات السردية، بعنوان “ملامح البطل النموذجي للرومانس”. وقد ركز فيها على صورة البطل في أدب الرومانس، وما يميز هذه الشخصية من قيم تربوية وإنسانية.

وبيّن الدكتور السياري أن البطل النموذجي يتمثل في شخصية تجمع بين المغامرة والشجاعة والوفاء، ومغالبة الصعاب من أجل بلوغ الأهداف السامية، وهي قيم تسهم في بناء شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه. وأشار إلى أن هذه الشخصية ميّزت قصص الفروسية الأوروبية في القرن الثاني عشر، لكنها استلهمت بدورها عناصر من كتابات أدبية عربية ظلت مهمّشة، من بينها “ألف ليلة وليلة”، بما تحمله من نماذج بطولية ورمزية ثرية.

تفاعل طلابي ورؤى تربوية

وتوّج اليوم الدراسي بنقاشات ثرية شارك فيها طلبة السنة الأولى تربية وتعليم، حيث قدّموا قراءات نقدية في بعض أعمال الكاتب نور الدين بن بوبكر، وطرحوا تصوراتهم حول أدب الطفل وسبل تدريسه في المرحلة الابتدائية.

وقد تمحورت تدخلاتهم حول الطرائق الناجعة لتدريس أدب الطفل، بما يجمع بين المتعة والفائدة، ويجعل من النص الأدبي أداة لبناء القيم وتنمية الخيال، لا مجرد مادة للشرح والتحليل. كما أكدوا أهمية إدماج المقاربات الحديثة في التدريس، بما يعيد الاعتبار للقراءة الحرة ويحفّز الطفل على الإبداع والتعبير.

نحو وعي جديد بأدب الطفل

ويُعدّ هذا اليوم الدراسي خطوة نوعية في مسار تعزيز البحث في أدب الطفل وتقنيات الكتابة فيه، وإعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول اللغة والهوية والقيم في النص الموجّه إلى الناشئة. كما يعكس وعياً متنامياً لدى المؤسسات الجامعية والجمعيات الثقافية بأهمية الاستثمار في الطفولة، باعتبارها الرهان الحقيقي لمستقبل الثقافة والمجتمع.

وبين الكلمة المسؤولة، والخيال الخلّاق، والقيمة التربوية، يظل أدب الطفل فضاءً رحباً لتشكيل إنسان الغد… إنسان قارئ، واعٍ، ومحصّن بالجمال والمعرفة.

Posted Feb 11, 2026, 10:13 PM UTC

10
Loading comments…