نشرت بوست تعبت عليه ولحد تفاعل

Discussion | نقاشات

تراتيل العزلة والمقام الرفيع

في هذا الصباح، لم تكن الكتابة مجرد رغبة، بل كانت فيضاً يلحّ على مخيلتي ليجد مخرجاً. أعددتُ قهوتي كمن يمارس طقساً مقدساً؛ أبخرتها تتصاعد لتشتبك مع ضوء الشمس الباكر، وبجوارها حبات تمر "الإخلاص" تلمع بلون الذهب العتيق، وكأنها قطع من السكينة التي أدخرها لمواجهة العالم . اخترتُ "الوحدة" عنواناً، ليس كحالة عابرة، بل كوطن أختاره كل يوم بمحض إرادتي.

لماذا أكتب عن الوحدة التي تزاحم مخيلتي؟ هل هي قدرٌ سأبقى فيه وحيدة للأبد، أم ثمة "طارئ" سينتزعني من هذا الهدوء الذي يسميه البعض "ألماً"؟ لكنني أسأل نفسي: كيف يكون ألماً وأنا التي أستلذ بكل ثنية من ثناياه؟ . إنني أحسب الوقت بدقة المتصوف؛ فحياتي ليست فوضى، بل هي منظومة موزونة؛ وقت للغرق في ملكوت القراءة، ووقت لثرثرة الهاتف العابرة، ووقت للنوم الذي يشبه الهجرة المؤقتة، ووقت مقتطع لتفاصيل القهوة التي أرتشفها ببطء، وكأنني أتذوق الزمن قطرة بقطرة .

أخشى من ذاك "التطفل" الذي قد يقتحم حصني. عندما يقطع أحدهم حبل وحدتي، أشعر وكأن خيطاً حريراً يتمزق بغلظة؛ تضايقني فكرة أن يجرني الآخرون إلى تفاصيلهم المبتذلة، إلى أحداثهم التي تلوث نقاء صمتي وتعقل روتيني الإبداعي . الخوف الحقيقي ليس من البقاء وحيدة، بل من "اللا وحدة"؛ من أن أتحول إلى مرآة تعكس أحاديث الآخرين التي لا تغني ولا تسمن، بينما يضيع صوتي الداخلي في ضجيج عقولهم المفرغة من المعنى.

يقولون إن الوحدة قد تقتل صاحبها، لكنني لستُ مؤمنة بغدر هذا الصديق الوفي. لكل بداية نهاية، وقد تكون النهايات سعيدة أو حزينة، أما الوحدة فهي حالة من السموّ التي لا تعترف بالنهايات التقليدية . هل تجر المرء فعلاً إلى الهذيان؟ ربما، لكنه "هذيان مبدع" حيث لا يبقى هناك صوت غير صوته، فيتحول الصمت إلى حوار عميق مع الذات، بعيداً عن متاهات العالم الخارجي التي لا تفضي إلى شيء

ومع آخر رشفة من قهوتي، أدركتُ أن الحياة خارج دائرتي قد تمر سريعاً كالريح، لكنها ريحٌ لا تحمل معها بذور الأمان. إن الأمان الحقيقي هو هذا السكون الذي أستند إليه؛ هو تلك القدرة على مواجهة النفس دون خوف من الانكسار. سأغلق مفكرتي الآن، لا لأنتهي من الكتابة، بل لأبدأ في عيش هذه الوحدة كفعل حبّ لا ينتهي. ففي هذا الركن الهادئ، أجد أنني لستُ وحيدة كما يظنون، بل أنا في زحامٍ جميل مع كل النسخ التي كنتُها، والتي سأكونها يوماً ما.

نشرته في substack وش رأيكم ؟

حسابي sahar200

Posted Apr 8, 2026, 1:05 PM UTC

11
Loading comments…