تنميق الكلمات والاساليب الإنشائية في الدفاع عن الجرائم الاخلاقية
من أكثر الظواهر إثارة للشفقة في الدفاعيات الدينية المعاصرة محاولة تبرير أفعال شديدة القسوة وردت في النصوص المقدسة أو التراث المرتبط بها مثل السبي وملك اليمين وقتل الأطفال والإبادة الجماعية الدينية ثم بعد ذلك الهروب من النقد عبر مهاجمة مرجعية العقل الأخلاقي نفسه
حين يواجه المدافع الديني( سواء كان من الشرق او الغرب) نصوصا تتحدث عن استعباد النساء أو قتل الشعوب أو سبي الأطفال فإنه نادرا ما يقول مباشرة إن هذه الأفعال جيدة بذاتها بل يستعمل مجموعة من الأساليب الخطابية والإنشائية وتنميق العبارات لإعادة تشكيل الصورة
أول حيلة تحويل الجريمة إلى ضرورة تاريخية🔱
يقال مثلا إن العالم كله وقتها كان يمارس الرق أو الإبادة أو الزواج القسري وبالتالي كان الدين فقط ينظم الواقع لا يصنعه
لكن هذه الحجة لا تبرر الفعل أخلاقيا بل فقط تشرح وجوده تاريخيا فالقول إن الجميع مارس العبودية لا يجعل العبودية عدلا وإلا لجاز تبرير أي ظلم تاريخي بنفس المنطق كما أن الإله المفترض لا يفترض فيه مجرد مسايرة الواقع بل تقديم معيار أخلاقي أعلى منه
الحيلة الثانية إعادة تعريف الألفاظ🔱 فيتحول السبي إلى حماية ويصبح ملك اليمين نوعا من الرعاية الاجتماعية ويعاد تصوير الغزو باعتباره تحرير وهذا أسلوب لغوي لمحاولة تخفيف الامر لكن ستبقى الحقيقة واحدة
امرأة أُخذت بالقوة وفقدت حريتها وحقها في تقرير مصيرها ويتم اغتصابها رغما عنها فهي ملك يمين اي مثلها مثل المال يحق لمالكه التصرف فيه تغيير الاسم لا يغير الحقيقة الأخلاقية
الحيلة الثالثة اللعب بالسياق 🔱 حين تنتقد النصوص سيقول إن المنتقد اقتطعها من سياقها لكن حتى بعد قراءة السياق الكامل يبقى السؤال الأخلاقي كما هو ولن يختلف شيء
هل قتل الأطفال وهنا اتحدث عن العهد القديم تحديدا أو استعباد النساء يصبح مقبولا لأن له سياقا تاريخيا؟ السياق قد يفسر لماذا وقع الشيء لكنه لا يحوله تلقائيا إلى فعل عادل
الحيلة الرابعة التدرج الأخلاقي🔱
ولا افهم ما هذه الحيلة البائسة فانت لم تدرج فيه بل فرض على بلادك رغم انفها إلغاء الرق
يقول المدافع إن الدين لم يلغ الرق مباشرة بل وضع خطوات تدريجية لإنهائه
لكن المشكلة أن النصوص نفسها أبقت أبواب الاسترقاق مفتوحة وشرعت تفاصيله بوضوح ولم يأت نص صريح يحرم امتلاك البشر لذلك ظل الإجماع الفقهي قرونا يعتبر الرق والسبي جزءا مشروعا من الشريعة الى جاءت الامم المتحدة وعطلت الشريعة
وحتى مستعملي هذه الحيلة دوما ما يدخلون صدامات لا تنتهي مع التيار الأصولي داخل نفس الدين
ثانيا الهروب إلى مهاجمة العقل الأخلاقي🔱🔱
حين تنهار التبريرات السابقة يبدأ الانتقال إلى مستوى آخر وهو التشكيك في صلاحية العقل الأخلاقي نفسه فتظهر عبارات مثل، ،من أنت حتى تحاكم الإله الأخلاق نسبية ،العقل البشري محدود ما تراه شرا قد يكون خيرا عند الله
لماذا لاتنكح امك ( وهذا يقلقنا على امهاتهم)
وهنا تظهر مشكلة لأن هذا الطعن يرتد على الدين نفسه إذا كان العقل الأخلاقي غير موثوق فلماذا نثق أصلا بأن الرحمة خير والعدل خير والصدق خير؟ كيف عرف المؤمن أن إلهه خير لا شرير؟ كيف يميز بين النبي الصادق والمجرم المدعي للوحي؟ في النهاية كل قبول ديني يمر عبر حكم أخلاقي وعقلي بشري حتى الإيمان نفسه يعتمد على اقتناع الإنسان بأن هذا الإله يستحق الطاعة والثقة فإذا تم نسف العقل الأخلاقي بالكامل انهار الأساس الذي بني عليه الإيمان ذاته
ثالثا معضلة الطاعة والقوة🔱🔱 الكثير من الدفاعيات تنتهي عمليا إلى فكرة الفعل خير لأن الله أمر به
لكن هذا يحول الأخلاق إلى مجرد أوامر قوة أي أن الخير لا يعود مرتبطا بالرحمة أو تقليل المعاناة أو العدالة بل فقط بإرادة السلطة العليا وهنا تظهر معضلة يوثيفرو الشهيرة
هل الشيء خير لأنه خير فعلا أم فقط لأن الإله أمر به؟
إذا كان الخير مستقلا عن الإله فهناك معيار أخلاقي أعلى من الأوامر
وإذا كان الخير مجرد ما يأمر به الإله فحتى الظلم يمكن أن يصبح خيرا لو أُمر به
ولهذا يحاول بعض المدافعين الهروب بالقول إن الخير تابع لطبيعة الله لكن هذا مجرد حشو زائد لان السؤال حينها يصبح كيف نعرف أن هذه الطبيعة خيرة أصلا دون استعمال معيار أخلاقي مستقل؟
رابعا الانتقائية الحديثة🔱🔱
المفارقة أن أغلب المدافعين المعاصرين أنفسهم لا يقبلون اليوم فعليا بالسبي أو اغتصاب الأسيرات أو قتل المرتد أو إبادة الشعوب
بل يرفضونها أخلاقيا لأنهم تشكلوا داخل عالم حديث قائم على حقوق الإنسان ثم بعد ذلك يحاولون العودة للنص لتأويله بما ينسجم مع ضميرهم المعاصر وهذا يؤكد
أن التطور الأخلاقي جاء من تطور الوعي الإنساني والقوانين والضمير الجمعي وليس من القراءة الحرفية للنصوص القديمة
----
هذا وسبحانك اللهم وبحمدك استغفرك واتوب اليك
والله اعلم🔱
Posted May 7, 2026, 12:34 PM UTC