جلال الرزء عن وصفٍ يدُقُّ
٤:٤٤ص
وها هو الصوت الساخر. يناجيني كل ليلة، مستفهمًا بإلحاح، كأن دوران الكواكب والنجوم يتوقف على تلك الإجابة، وهي رغم قصرها في مخيلتي لا تدفعه إلى الكف عن الطنين في إذنيّ التين ما عادت تسمعان شيئًا، ربما لأن الله قد كتب لسمعي حصتين: حصّة للصوت، وحصّة لدوي النزاعات التي تجتاح العالم كل يوم: وأذكر لك من أهمها عزيزتي بترتيب تنازليّ في أهميتها؛ أولها؛ نزاع أسلافي على حقل من حقول الذرة، يتلوها؛ نزاع خالتي وجارتها السافرة —كما قالت ولا زالت تقول—على ملكية أدوات الطهي التي، يعلم الله، أقرضتها لها بمناسبة عرس ابنها من بنتها، ويتلو كل ذلك؛ الحرب التي شنّتها ذاتئذٍ، حين ألقت بكامل عتاد مطبخها الصغير على رأس جارتها المسكينة.
أفتقدك يا أ.
فقدًا عظيمًا، ولا زلت أذكرك كل ليلة، كأني ارتويت من نهر النيموسين الذي كما تقول الأساطير: إذا شرب منه أحد لم ينسى بعده أبدًا. أو كأن ذاكرتك شربت من نهر الخلود، الذي إن صادفته لوددت لو غرقت فيه، نزولًا إلى أقصى العمق، محملقًا إلى أقصى السطح، متخليًا عن كل ما كان أو سيكون، هو ذلك المشهد ذاته الذي لا يفارقني، ولم أره إلا في مخيلتي مثله مثل الصوت، لا أسمعه إلا في مخيلتي، وفي الخيال يجد الشاعر شعره، ويجد الطّفلُ أمنيته، وفي خيالي أجد أكَلَة اللوتس، وإغراءاتُهم لي بِمَذاق النّسيان العسليّ. ليس على الشاعر من حرج-هاهنا-إذا كذب، وليس على الطفل من حرَجٍ إذا تمنّى.
Posted Aug 1, 2026, 3:51 AM UTC