بين (أن تكون أو لا تكون و(أجملوا في الطلب)

Discussion | نقاشات

من اسباب الضغط الذي يعيشه الانسان اليوم تلك الثقافة التي تختزل الحياة في معادلة اكون او لا اكون، فيدفع الانسان باستمرار الى ان يثبت نفسه، وان يحقق الاستقلال المالي، وان يصل الى الحرية المالية، وان ينافس الجميع، وان يبني ثروة كبيرة، وان يعمل اكثر، وان يستثمر اكثر، وان يسبق غيره قبل ان يسبقه احد، ثم تأتي عبارات مثل الصراع من اجل البقاء لتمنح هذا السباق مبرراته، حتى يصبح السعي الى المزيد غاية في ذاته، لا وسيلة لحياة مستقرة وكريمة. والمشكلة ليست في العمل، ولا في الطموح، ولا في طلب الرزق، ولا في بناء الثروة، وانما في ان يتحول الاخذ بالاسباب من وسيلة الى هاجس، ومن مسؤولية الى استنزاف، ومن سعي مشروع الى اعتقاد ضمني بان الرزق متوقف على مقدار قلقك وتعبك. وفي التصور الاسلامي، الانسان مامور بالاخذ بالاسباب، ولكن بالاسباب المشروعة، وبقدرها، دون افراط او تفريط؛ فليس المطلوب ان يترك الانسان العمل ويقول انا متوكل على الله، كما انه ليس مطلوبا منه ان يعيش وكان رزقه متوقف بالكامل على ذكائه، وساعات عمله، وشبكة علاقاته، واستثماراته، وقدرته على المنافسة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن روح القدس نفث في روعي انه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها واجلها، فاتقوا الله واجملوا في الطلب. وفي قوله واجملوا في الطلب معنى عظيم؛ اي اطلبوا الرزق، لكن بطريقة جميلة، بلا هلع ولا استعجال، ولا ان يتحول طلب الرزق الى غاية تستهلك الانسان وتفسد عليه حياته. وهنا ربما نحتاج الى اعادة تعريف مفهوم الحرية المالية؛ فالحرية ليست بالضرورة ان تصل الى رقم معين في حسابك البنكي، ولا ان تتقاعد في سن الاربعين، ولا ان تمتلك عشر شركات، بل قد تكون الحرية الحقيقية ان تعمل وتسعى، لكن دون ان يصبح خوفك من المستقبل هو الذي يقود حياتك؛ ان تاخذ بالاسباب دون ان تعبد الاسباب، وان تطمح دون ان تعتقد ان قيمتك الانسانية مرتبطة بما حققته، وان تبني مستقبلك دون ان تعيش حاضرك وكانه ثمن يجب دفعه للوصول اليه، وان تعرف ان عليك السعي، لكن ليس عليك ضمان النتيجة. فالانسان مسؤول عن قراره وسعيه، وليس مسؤولا عن ان يضمن لنفسه كل ما يريد. ولهذا فان التوازن ليس في ترك الاسباب، ولا في المبالغة فيها، وانما في ان تاخذ بالسبب وقلبك متعلق بمسبب الاسباب. اعمل، خطط، تعلم، استثمر، طور نفسك، وابحث عن الفرص، لكن لا تجعل الخوف من الفقر يدفعك الى ان تفقد حياتك، ولا تجعل المقارنة بالآخرين تجعلك ترى نفسك متاخرا دائما. اسع للرزق، ولا تطارد الرزق؛ فبين الاثنين فرق كبير. قدرك ان تسعى، ورزقك ليس مطلوبا منك ان تخلقه من العدم. ولعل اجمل ما في الحديث انه لم يقل اتركوا الطلب، وانما قال واجملوا في الطلب؛ اي ان المطلوب ليس ان تتوقف عن السعي، وانما ان تحسن طريقة السعي.

Posted Sep 2, 2026, 12:38 PM UTC

20
Loading comments…